القرطبي

284

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وصاحب النار والبعوضة ! هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسدي وابن إسحاق وزيد ابن أسلم وغيرهم . وكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله تعالى بأن فتح الله تعالى عليه بابا من البعوض فستروا ( 1 ) عين الشمس وأكلوا عسكره ولم يتركوا إلا العظام ، ودخلت واحدة منها في دماغه فأكلته حتى صارت مثل الفأرة ، فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب دماغه بمطرفة عتيدة لذلك ، فبقى في البلاء أربعين يوما . قال ابن جريج : هو أول ملك في الأرض . قال ابن عطية : وهذا مردود . وقال قتادة : هو أول من تجبر وهو صاحب الصرح ببابل . وقيل : إنه ملك الدنيا بأجمعها ، وهو أحد الكافرين ( 2 ) ، والآخر بختنصر . وقيل : إن الذي حاج إبراهيم نمروذ ابن فالخ ابن عابر ابن شالخ ابن أرفخشد ابن سام ، حكى جميعه ابن عطية . وحكى السهيلي أنه النمروذ ابن كوش ابن كنعان ابن حام ابن نوح وكان ملكا على السواد ( 3 ) وكان ملكه الضحاك الذي يعرف بالازدهاق واسمه بيوراسب ابن أندراست وكان ملك الأقاليم كلها ، وهو الذي قتله أفريدون ابن أثفيان ، وفيه يقول حبيب : ( 4 ) وكأنه الضحاك من فتكاته * في العالمين وأنت أفريدون وكان الضحاك طاغيا جبارا ودام ملكه ألف عام فيما ذكروا . وهو أول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل ، وللنمروذ ابن لصلبه يسمى " كوشا " أو نحو هذا الاسم ، وله ابن يسمى نمروذ الأصغر . وكان ملك نمروذ الأصغر عاما واحد ا ، وكان ملك نمروذ الأكبر أربعمائة عام فيما ذكروا . وفى قصص هذه المحاجة روايتان : إحداهما أنهم خرجوا إلى عيد لهم فدخله إبراهيم على أصنامهم فكسرها ، فلما رجعوا قال لهم : أتعبدون ما تنحتون ؟ فقالوا : فمن تعبد ؟ قال : أعبد [ ربى ( 5 ) ] الذي يحيى ويميت . وقال بعضهم : إن نمروذ كان يحتكر الطعام فكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام يشترونه منه ، فإذا دخلوا عليه سجدوا له ، فدخل إبراهيم فلم يسجد له ، فقال : مالك لا تسجد لي ! قال : أنا لا أسجد إلا لربي . فقال له نمروذ : من ربك ! ؟ قال إبراهيم : ربى الذي يحيى ويميت . وذكر زيد ابن أسلم أن النمروذ هذا قعد

--> ( 1 ) كذا في الأصول جميعا ، والصحيح ما في الطبري : فبعثها الله عليهم فأكلت لحومهم وشربت دماءهم . ( 2 ) في البحر : " ملك الأرض مؤمنان سليمان وذو القرنين وكافران نمروذ وبختنصر " . ( 3 ) أي سواد العراق ، وفى ه‍ : السودان . ( 4 ) ابن أوس أبو تمام . ( 5 ) من ه‍ وب .